منذ بداية التصعيد في منطقة مضيق هرمز، دخلت الأسواق الأمريكية مرحلة اختبار حقيقي لمدى قدرتها على استيعاب الصدمات الجيوسياسية دون كسر الاتجاه الصاعد. وبينما ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد وتزايدت مخاوف التضخم، بقي السؤال الأهم في وول ستريت: هل تستطيع الأسهم الأمريكية تجاهل “ضريبة الجغرافيا السياسية” والاستمرار في الصعود؟
في المراحل الأولى من الأزمة، ومع قفزة أسعار النفط من مستويات تقارب 65 دولاراً إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، سجلت الأسواق الأمريكية حالة تذبذب واضحة.
لكن التراجع كان محدوداً نسبياً، إذ لم تتجاوز خسائر المؤشرات الرئيسية في ذروة القلق الأولي نحو 3% إلى 5%، قبل أن تبدأ موجة تعافٍ سريعة. هذا الأداء عكس تحولاً مهماً في سلوك السوق، حيث لم تعد أسعار الطاقة وحدها قادرة على كسر الاتجاه العام، خاصة مع قوة قطاع التكنولوجيا.
مع انتقال الأزمة من “صدمة أولية” إلى “وضع مزمن”، بدأت المؤشرات الأمريكية في إعادة التوازن سريعاً. ارتفع مؤشر S&P 500 بنحو 12% من أدنى مستوياته المسجلة بعد بداية التوتر، بينما قفز ناسداك بأكثر من 18% خلال نفس الفترة.
ورغم ارتفاع النفط وتزايد المخاطر الجيوسياسية، حقق S&P 500 مكاسب تقارب 4% منذ بداية الأزمة، في حين سجل ناسداك أداءً أقوى عند نحو 9%، مدعوماً بقوة أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
اللافت في هذه المرحلة هو أن السوق الأمريكي أصبح أكثر اعتماداً على قطاع التكنولوجيا كمحرك رئيسي، ما قلل من حساسيته تجاه تقلبات الطاقة. شركات كبرى في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية واصلت دعم المؤشرات رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج عالمياً، حيث ساعدت توقعات الأرباح القوية وتدفقات السيولة المؤسسية على تعويض أثر النفط. بمعنى آخر، وول ستريت لم يعد يتحرك فقط وفق أسعار البرميل، بل وفق “سردية النمو الرقمي”.
ورغم هذا الأداء القوي، لم تختفِ المخاطر بالكامل. فأسواق السندات الأمريكية شهدت ارتفاعاً في العوائد، ما يعكس إعادة تسعير واضحة لتوقعات التضخم وأسعار الفائدة، في ظل استمرار الضغوط النفطية. كما أن حالة عدم اليقين المرتبطة بمسار الأزمة في الشرق الأوسط تبقي السوق في وضع “حذر صاعد”، حيث تتحرك الأسعار داخل موجات تفاؤل قصيرة تتخللها فترات إعادة تقييم سريعة.
في المحصلة، السوق الأمريكي لا يتجاهل المخاطر بقدر ما يعيد ترتيب وزنها داخل التسعير. النفط لم يعد اللاعب الوحيد القادر على كسر الاتجاه،
